اضطراب الكابوس: مفهومه، أسبابه وطرق علاجه
يُعدّ النوم عنصرًا أساسيًا لصحة الإنسان النفسية والجسدية، إذ يقوم الدماغ خلاله بعمليات معقدة تتعلق بالذاكرة، وتنظيم المشاعر، واستعادة التوازن العصبي. إلا أن بعض اضطرابات النوم قد تعيق هذه الوظائف الحيوية، ومن أبرزها اضطراب الكابوس.
لا يقتصر هذا الاضطراب على مجرد أحلام مزعجة عابرة، بل قد يتحول إلى مشكلة نفسية تؤثر في جودة النوم، والحالة المزاجية، والأداء اليومي للفرد. اضطراب الكابوس يُعد من اضطرابات النوم المرتبطة بمرحلة حركة العين السريعة، وقد يصيب الأطفال والمراهقين والبالغين على حد سواء، مع اختلاف في الأسباب والآثار.
مفهوم اضطراب الكابوس
اضطراب الكابوس [1] هو حالة نفسية تُصنّف ضمن اضطرابات النوم، وتتميز بتكرار أحلام مزعجة شديدة الوضوح والانفعال، غالبًا ما توقظ الشخص من النوم مصحوبة بمشاعر خوف أو قلق أو ضيق شديد. تختلف الكوابيس المرضية عن الأحلام المزعجة العادية في شدتها، وتكرارها، وتأثيرها الواضح على النوم والحياة اليومية.
يحدث اضطراب الكابوس عادة خلال مرحلة نوم حركة العين السريعة، وهي المرحلة التي يكون فيها الدماغ نشطًا نسبيًا، وتكون الأحلام أكثر وضوحًا. عند الاستيقاظ من الكابوس، يكون الشخص واعيًا تمامًا وقادرًا على تذكّر تفاصيل الحلم، وقد يجد صعوبة في العودة إلى النوم بسبب القلق أو التوتر.
من الناحية الطبية، لا يُشخَّص اضطراب الكابوس إلا إذا كانت الكوابيس متكررة، ومسببة لضيق نفسي واضح، أو لاضطراب في الأداء الاجتماعي أو الدراسي أو المهني. كما قد يكون الاضطراب مستقلًا بحد ذاته، أو مرتبطًا باضطرابات نفسية أو جسدية أخرى.
أعراض اضطراب الكابوس
تظهر أعراض اضطراب الكابوس [2] على شكل مجموعة من التغيرات النفسية والسلوكية المرتبطة بالنوم والاستيقاظ. يعاني المصاب من أحلام مزعجة متكررة ذات طابع مخيف أو مقلق، وغالبًا ما تتضمن تهديدًا أو خطرًا متخيَّلًا. يستيقظ الشخص فجأة من النوم وهو في حالة توتر شديد، مع تسارع في ضربات القلب وشعور بالقلق.
بعد الاستيقاظ، يكون الوعي كاملًا، ويتمكن الشخص من تذكّر تفاصيل الكابوس بوضوح، وقد ترافق ذلك صعوبة في العودة إلى النوم، أو خوف من النوم مجددًا. على المدى الطويل، قد يؤدي تكرار الكوابيس إلى الإرهاق، واضطراب المزاج، وانخفاض التركيز، والشعور بالنعاس أثناء النهار. في بعض الحالات، قد يتطور قلق مرتبط بالنوم نفسه، مما يزيد من حدة المشكلة ويؤثر في جودة الحياة العامة.
أسباب اضطراب الكابوس
تتعدد أسباب اضطراب الكابوس، وقد تكون نفسية أو عصبية أو بيئية، وغالبًا ما تتداخل معًا. من أبرز الأسباب:
- التعرض لضغوط نفسية شديدة أو مستمرة
- الصدمات النفسية، خاصة في مرحلة الطفولة
- اضطرابات القلق والتوتر
- اضطراب ما بعد الصدمة
- الاكتئاب واضطرابات المزاج
- قلة النوم أو عدم انتظام مواعيده
- تناول بعض الأدوية التي تؤثر في النوم
- الحمى أو بعض الحالات الطبية
- استخدام المنبهات قبل النوم
- التعرض لمحتوى مثير أو مخيف قبل النوم
أنواع اضطراب الكابوس
يمكن تصنيف اضطراب الكابوس إلى عدة أنواع بحسب السبب أو طبيعة الظهور، ومن أهمها:
- اضطراب الكابوس الأولي (غير المرتبط باضطراب نفسي آخر)
- اضطراب الكابوس المرتبط بالضغوط النفسية
- اضطراب الكابوس المصاحب لاضطراب ما بعد الصدمة
- اضطراب الكابوس الناتج عن أدوية أو مواد كيميائية
- اضطراب الكابوس المرتبط باضطرابات النوم الأخرى
طرق تشخيص اضطراب الكابوس
يعتمد تشخيص اضطراب الكابوس على التقييم السريري الدقيق من قبل مختص في الصحة النفسية أو طب النوم. يبدأ التشخيص عادة بأخذ تاريخ مرضي مفصل يشمل طبيعة الكوابيس، وتكرارها، ومدى تأثيرها على النوم والحياة اليومية. كما يتم تقييم الحالة النفسية العامة، والبحث عن وجود ضغوط أو صدمات أو اضطرابات نفسية مرافقة.
في بعض الحالات، قد يُطلب من المريض تسجيل يوميات النوم لتتبع أنماط النوم والأحلام. نادرًا ما تُستخدم الفحوصات المخبرية، إلا إذا وُجد اشتباه باضطراب جسدي أو عصبي. الهدف من التشخيص هو التفريق بين اضطراب الكابوس وغيره من اضطرابات النوم، وتحديد السبب الرئيسي لوضع خطة علاج مناسبة.
طرق علاج اضطراب الكابوس
يعتمد علاج اضطراب الكابوس [3] على السبب وشدة الأعراض، وغالبًا ما يجمع بين أساليب نفسية وسلوكية، وقد يُستخدم العلاج الدوائي في حالات محددة. من أبرز طرق العلاج:
- العلاج النفسي المعرفي السلوكي
- علاج إعادة كتابة الكابوس (Imagery Rehearsal Therapy)
- تقنيات الاسترخاء قبل النوم
- تنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ
- تحسين بيئة النوم
- معالجة الاضطرابات النفسية المصاحبة
- تعديل أو إيقاف الأدوية المسببة للكوابيس
- استخدام أدوية معينة تحت إشراف طبي عند الضرورة
طرق الوقاية من اضطراب الكابوس
الوقاية من اضطراب الكابوس ترتكز على تعزيز عادات النوم الصحية، والاهتمام بالصحة النفسية بشكل عام. يساعد الالتزام بروتين نوم منتظم على استقرار الساعة البيولوجية وتقليل اضطرابات النوم. كما يُنصح بتجنب المنبهات قبل النوم، والحد من التعرض للمحتوى المثير أو المقلق في ساعات المساء.
تلعب إدارة التوتر دورًا مهمًا في الوقاية، من خلال ممارسة تمارين الاسترخاء، أو النشاط البدني المنتظم، أو التحدث عن الضغوط النفسية بدل كبتها. كما أن طلب المساعدة المتخصصة عند مواجهة صعوبات نفسية مبكرًا قد يمنع تطور الكوابيس إلى اضطراب مزمن يؤثر في جودة الحياة.
في الختام
اضطراب الكابوس ليس مجرد تجربة نوم غير مريحة، بل حالة نفسية قد تحمل دلالات أعمق تتعلق بالصحة النفسية والعاطفية للفرد. الفهم الصحيح لهذا الاضطراب يساعد على التمييز بين الكوابيس العابرة والمشكلة المرضية التي تتطلب تدخّلًا علاجيًا.
من خلال التشخيص المبكر، واتباع أساليب علاجية مناسبة، والالتزام بإجراءات الوقاية، يمكن السيطرة على اضطراب الكابوس وتحسين جودة النوم والحياة اليومية. إن نشر الوعي حول هذا الاضطراب يُعد خطوة مهمة نحو تعزيز الصحة النفسية، وتمكين الأفراد من طلب المساعدة دون تردد، وصولًا إلى نوم أكثر أمانًا وراحة واستقرارًا نفسيًا.
رجاء ضع تقييمك للمحتوى فهو يساعدنا لفهم جودة عملنا


