متلازمة المحتال: مفهومه، أسبابها وطرق علاجها
أصبحت متلازمة المحتال خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر الظواهر النفسية التي تحظى باهتمام الباحثين والمتخصصين في علم النفس، نظرًا لانتشارها المتزايد بين مختلف الفئات العمرية والوظيفية. ورغم أنها ليست اضطرابًا نفسيًا مُدرجًا في الدلائل التشخيصية الرسمية، إلا أنها ظاهرة نفسية موثّقة علميًا، تتضمن شعور الفرد بأنه غير مستحق لنجاحاته أو إنجازاته، وأنه يحقق ما يحققه بسبب الحظ أو الصدفة وليس نتيجة قدراته الحقيقية.
وعلى الرغم من أن الشخص يكون غالبًا ناجحًا ومتميزًا في مجاله، فإنه يعيش شعورًا دائمًا بأنه “محتال” أو “ليس جيدًا بما يكفي”، وأن الآخرين سيكتشفون عدم كفاءته في أي لحظة. تنشأ أهمية دراسة متلازمة المحتال من تأثيرها الكبير على الصحة النفسية والأداء المهني والنجاح العملي. فهي ترتبط بعدد من حالات التوتر والقلق وانخفاض الرضا عن الذات، وقد تؤدي إلى الإرهاق النفسي وتجنب الفرص المهنية، مما يجعل فهمها ضرورة لكل شخص يسعى إلى تطوير ذاته.
مفهوم متلازمة المحتال
متلازمة المحتال [1] هي حالة نفسية يشعر فيها الفرد بعدم استحقاقه للإنجازات التي حققها، ويرى أنه لا يمتلك الكفاءة الحقيقية التي يعتقدها الآخرون عنه، ويعيش في خوف متواصل من اكتشاف “حقيقته” باعتباره ليس جديرًا بما وصل إليه. ورغم أن هذا الشعور قد يبدو بسيطًا في ظاهره، إلا أنه غالبًا ما يكون مصحوبًا بتوتر داخلي وصراع نفسي بين الأداء الفعلي الذي يظهره الفرد في حياته المهنية أو الدراسية وبين التقييم السلبي الذي يحتفظ به لنفسه.
ومن الخصائص الأساسية لهذه المتلازمة أن الشخص لا يستطيع تفسير نجاحه تفسيرًا واقعيًا، فينسبه لعوامل خارجية مثل الحظ أو الدعم أو الظروف المناسبة، متجاهلًا جهوده الحقيقية أو مهاراته.
وتُعد متلازمة المحتال ظاهرة شائعة بين أصحاب الإنجازات العالية، إذ يشعر الكثير منهم بأن نجاحهم “أكبر من حقيقتهم”، مما يخلق حالة من عدم الاتساق بين الصورة الذاتية الداخلية والواقع الخارجي. ولا تعتبر هذه المتلازمة اضطرابًا نفسيًا بمعناه الطبي، لكنها حالة نفسية معقدة قد ترتبط بالقلق الاجتماعي واضطرابات الثقة بالنفس وإجهاد العمل.
أعراض متلازمة المحتال
تظهر أعراض متلازمة المحتال [2] في مجموعة من المشاعر والسلوكيات التي ترتبط عادة بالشعور المزمن بعدم الكفاءة، رغم وجود إنجازات واضحة واعتراف الآخرين بقدرات الشخص. يبدأ الفرد عادة بإحساس داخلي بأنه ليس جديرًا بما يحققه، وأن نجاحه مجرد صدفة أو نتيجة مبالغة من الآخرين في تقدير قدراته.
ويؤدي هذا الشعور إلى نوع من القلق المستمر الذي يدفع الشخص إلى محاولة إخفاء ما يعتقد أنه “ضعفه الحقيقي”، فيسعى إلى بذل جهد زائد أو يتجنب التحديات خوفًا من الفشل. وقد يشعر بأنه يعيش في حالة ترقّب دائم من أن يتم كشفه، مما يخلق توترًا داخليًا يؤثر على مستوى أدائه وربما علاقاته الاجتماعية.
كما يمكن أن تظهر الأعراض على شكل مثالية مفرطة، إذ يصبح الشخص شديد الحساسية لأي خطأ بسيط ويعتبره دليلًا على عدم كفاءته. وفي بعض الأحيان، يتجنب صاحب متلازمة المحتال قبول الثناء أو الاعتراف بإنجازاته، فيميل إلى التقليل من نفسه ورفض الإطراء. وقد يُصاب الشخص بنوبات من الشك الذاتي، وصعوبات في اتخاذ القرارات، وشعور دائم بأنه أقل من الآخرين.
هذه الأعراض لا تقتصر على المجال المهني فقط، بل يمكن أن تمتد إلى الحياة الأكاديمية والاجتماعية، بحيث يفقد الشخص القدرة على الاستمتاع بإنجازاته أو بناء ثقة مستقرة بنفسه. ومع مرور الوقت، قد تؤدي هذه الحالة إلى إرهاق نفسي وقلق وتوتر مستمرين، خصوصًا إذا لم يتم التعامل معها بشكل مناسب.
أسباب متلازمة المحتال
- التربية القائمة على التوقعات العالية: حيث ينشأ الطفل في بيئة تركز على الإنجاز المثالي وتربط القيمة الذاتية بالأداء.
- المقارنة المستمرة مع الآخرين: خاصة في البيئات التعليمية أو المهنية التنافسية.
- التعزيز السلبي في الطفولة: مثل التقليل من نجاحات الطفل أو التركيز على أخطائه.
- الضغط الاجتماعي: خصوصًا في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي تعزز المقارنات.
- الشخصية المثالية: الأشخاص الذين يسعون إلى الكمال يكونون أكثر عرضة لهذه المتلازمة.
- قلة الثقة بالنفس: وجود تاريخ من الشك الذاتي أو النقد الداخلي الشديد.
- الانتقال إلى بيئة جديدة: مثل وظيفة جديدة أو مسؤوليات أكبر تجعل الشخص يشعر بأنه غير مؤهل.
- الأدوار الاجتماعية: مثل التمييز بين الجنسين أو التصورات النمطية التي تضع ضغوطًا إضافية على بعض الفئات.
طرق تشخيص متلازمة المحتال
يتم تشخيص متلازمة المحتال من خلال تقييم نفسي يعتمد على فهم نمط التفكير والمشاعر والسلوكيات التي يعاني منها الفرد، وليس من خلال اختبارات طبية أو فحوص مخبرية. يبدأ التشخيص عادة بجلسة تقييم يجريها أخصائي نفسي يستمع خلالها إلى وصف الشخص لمشاعره تجاه إنجازاته وقدرته على التعامل مع النجاحات والضغوط.
يتضمن التقييم سؤال الشخص عن مدى شعوره بأنه يستحق ما وصل إليه، وما إذا كان ينسب نجاحه للجهد أو الحظ، بالإضافة إلى تحليل استجابته للثناء أو النقد. ومن المؤشرات التشخيصية الأساسية وجود تفكير مستمر بأن الفرد أقل كفاءة مما يعتقده الآخرون، والشعور بالخوف من التعرض للاكتشاف.
يعتمد الأخصائي أيضًا على مجموعة من المقاييس النفسية المعتمدة التي تقيس الشعور بعدم الكفاءة والشك الذاتي، مثل مقاييس متلازمة المحتال المعيارية. ويأخذ المختص بعين الاعتبار عوامل أخرى قد تتداخل مع هذه الظاهرة، مثل القلق العام أو الاكتئاب أو التوتر المهني، لأنها قد تزيد من شدة الأعراض أو تساهم في ظهورها.
وعلى الرغم من أن متلازمة المحتال ليست حالة مرضية بالمعنى الطبي، إلا أن تشخيصها مهم لأنها تؤثر بشكل كبير على الأداء النفسي والمهني للشخص، وقد تتطلب تدخلًا علاجيًا لمساعدة الفرد على إعادة بناء ثقته بنفسه ومعالجة أنماط التفكير السلبية التي يكررها.
طرق علاج متلازمة المحتال
فيما يلي أهم طرق علاج متلازمة المحتال[3]:
- العلاج المعرفي السلوكي (CBT): يساعد على تعديل الأفكار السلبية المرتبطة بعدم استحقاق النجاح.
- تعزيز الوعي الذاتي: عبر كتابة الإنجازات والتأمل في الجهود الحقيقية التي بذلها الشخص.
- إعادة هيكلة المعتقدات: تغيير الأفكار المثالية وغير الواقعية حول النجاح والكفاءة.
- التعرض للمواقف المقلقة تدريجيًا: عبر قبول المسؤوليات أو الفرص بدل تجنبها.
- التشجيع على طلب الدعم: تعزيز القدرة على طلب المساعدة دون الشعور بالضعف.
- العلاج الجماعي: مشاركة التجارب مع الآخرين الذين يعانون من نفس الظاهرة.
- التدريب على مهارات إدارة التوتر: مثل تمارين التنفس والاسترخاء.
- تعزيز التوازن بين العمل والحياة: لمنع الإرهاق الناتج عن الشعور بالحاجة إلى العمل الزائد.
طرق الوقاية من متلازمة المحتال
تبدأ الوقاية من متلازمة المحتال عبر بناء وعي صحي بالذات، وتطوير مهارات التقييم الواقعي للقدرات والإنجازات. فمن المهم أن يتعلم الفرد منذ الصغر أن النجاح نتيجة لجهده وقدراته، وأن الأخطاء جزء طبيعي من عملية التعلم وليست دليلًا على عدم الكفاءة. كما تساعد البيئة الداعمة—سواء في المنزل أو المدرسة أو العمل—على تعزيز الثقة بالنفس عبر تقديم تغذية راجعة متوازنة، تجمع بين التشجيع وتوجيه النقد البنّاء دون مبالغة.
ويُعد تجنب المقارنات المستمرة خطوة أساسية في الوقاية، إذ تساعد هذه الخطوة على تقليل الضغط النفسي الناتج عن محاولة مجاراة الآخرين أو الوصول إلى معايير غير واقعية.
كما يساهم الاهتمام بالصحة النفسية في الوقاية، من خلال ممارسة أنشطة تساعد على تنظيم التوتر، والمحافظة على نمط حياة صحي، والتواصل مع أشخاص داعمين. وتساعد مراقبة الأفكار السلبية المرتبطة بالذات، واستبدالها بأفكار واقعية ومتوازنة، على تقليل احتمالية تطور المتلازمة.
ومن المهم أيضًا تعزيز ثقافة التعلم التدريجي، وتقبّل الصعوبات الطبيعية عند اكتساب المهارات. إن بناء هذه العادات والمفاهيم منذ وقت مبكر يساعد على حماية الفرد من الانزلاق إلى حالة من الشك الذاتي المزمن والشعور بأنه “محتال” رغم نجاحه الفعلي.
في الختام
تعد متلازمة المحتال ظاهرة نفسية تؤثر على عدد كبير من الأشخاص الذين يحققون نجاحات وإنجازات مهمة، لكنها تجعلهم يشعرون بأنهم غير جديرين بما وصلوا إليه. ورغم أنها ليست اضطرابًا نفسيًا رسميًا، إلا أن تأثيرها على الصحة النفسية والأداء العملي لا يمكن تجاهله.
رجاء ضع تقييمك للمحتوى فهو يساعدنا لفهم جودة عملنا



