
الاضطراب الوهمي: مفهومه وطرق علاجه
الاضطراب الوهمي هو حالة نفسية معقدة يتميز بها الشخص بإيمانه القوي بأنه يعاني من مرض جسدي أو نفسي حقيقي، رغم عدم وجود أي دليل طبي يثبت وجود هذا المرض. يُعد هذا الاضطراب من اضطرابات القلق المرتبطة بالشعور المستمر بالخوف من المرض والقلق المفرط تجاه الأعراض الجسدية، مما يؤثر سلبًا على حياة المريض اليومية وعلى تفاعلاته الاجتماعية والعملية.
يمثل الاضطراب الوهمي تحديًا كبيرًا للمرضى والأطباء على حد سواء، إذ يدفع المرضى إلى الخضوع لعدد كبير من الفحوصات الطبية والعمليات التشخيصية التي لا تسفر عن وجود مرض، ما يؤدي إلى استنزاف نفسي وجسدي، كما قد يسبب إحباطًا للطبيب بسبب تكرار الشكوى وعدم الاستجابة للعلاج الطبي التقليدي. في هذا المقال سنناقش الاضطراب الوهمي من جميع جوانبه، مع تسليط الضوء على الأعراض، الأسباب، الأنواع، التشخيص، والعلاج، بالإضافة إلى نصائح وقائية.
مفهوم الاضطراب الوهمي
الاضطراب الوهمي (بالإنجليزية: Illness Anxiety Disorder) هو اضطراب نفسي يصنف ضمن اضطرابات القلق، حيث يختبر الشخص خوفًا وقلقًا مفرطًا تجاه صحته، مع اعتقاد راسخ بأنه يعاني من مرض خطير أو مهدد للحياة، بالرغم من أن الفحوصات الطبية تظهر عدم وجود أي مشكلة صحية حقيقية.
يركز المصابون على أعراض جسدية طبيعية أو بسيطة ويضخمونها، مما يثير لديهم مخاوف كبيرة. يتسم هذا الاضطراب بأن الشخص يقضي وقتًا طويلًا في التفكير في صحته، وقد يزور أطباء متعددين طلبًا لتأكيد المرض أو للبحث عن علاج، ما يؤثر على جودة حياته.
الاضطراب الوهمي مختلف عن اضطراب التمثيل المرضي، حيث يكون السلوك في التمثيل المرضي مرتبطًا برغبة في الحصول على اهتمام أو فوائد أخرى، بينما في الاضطراب الوهمي، المريض مقتنع بصحة مرضه فعليًا.
أعراض الاضطراب الوهمي
يعاني المصاب من خوف دائم وقلق مفرط بشأن احتمال إصابته بمرض خطير، حتى عند غياب الأعراض أو وجود أعراض بسيطة لا تستدعي القلق. يراقب الشخص جسده باستمرار بحثًا عن علامات أو تغييرات صغيرة، ويضخم من شأنها. يتردد على الأطباء والمراكز الطبية باستمرار طلبًا للفحوصات والتشخيص، لكنه لا يقتنع غالبًا بنتائج الفحوصات السلبية. تظهر عليه أعراض نفسية مثل التوتر، الأرق، التعب، وصعوبة التركيز، ما يؤثر سلبًا على أدائه الاجتماعي والمهني. يميل إلى تجنب بعض الأنشطة بسبب خوفه من أن تؤدي إلى تفاقم مرضه المفترض أو الشعور بالتعب. قد يعاني من أعراض جسدية غير محددة مثل آلام خفيفة، اضطرابات هضمية، أو دوار، لكنه يفسرها دائمًا على أنها أعراض مرض خطير.
أسباب الاضطراب الوهمي
الاضطراب الوهمي لا يرتبط عادةً بسبب عضوي واضح، لكن هناك عدة عوامل نفسية وبيئية قد تسهم في ظهوره، منها:
- وجود تاريخ عائلي من اضطرابات القلق أو أمراض نفسية.
- التعرض لتجارب مرضية شخصية أو لدى أحد أفراد الأسرة، مما يثير خوفًا من المرض.
- الطابع الشخصي الذي يميل إلى القلق والشك المفرط.
- التعرض لضغوط نفسية شديدة أو أحداث حياتية صادمة مثل فقدان شخص عزيز أو مشاكل مالية.
- التعلم من تجارب الآخرين أو المبالغة في التعرض للمعلومات الصحية عبر وسائل التواصل.
- وجود اضطرابات نفسية أخرى مثل الاكتئاب أو اضطراب الوسواس القهري.
تتفاعل هذه العوامل معًا لتزيد من احتمالية تطوير المريض لهذا النوع من القلق الصحي.
أنواع الاضطراب الوهمي
يصنف الاضطراب الوهمي إلى عدة أنواع تختلف بحسب طبيعة التركيز على المرض والصفات المرتبطة به، وتشمل:
- الاضطراب الوهمي الجسدي (Somatic Type): يركز فيه المريض على الأعراض الجسدية مثل الألم، الدوخة، أو مشاكل الجهاز الهضمي، ويعتقد أنها علامة على مرض خطير.
- الاضطراب الوهمي النفسي (Psychological Type): يعتقد المريض أنه يعاني من اضطرابات نفسية شديدة مثل الاكتئاب أو الفصام، رغم عدم وجود دليل واضح.
- الاضطراب الوهمي المختلط (Mixed Type): يجمع بين القلق من أعراض جسدية ونفسية معًا.
- الاضطراب الوهمي المحدد (Specific Type): يتركز القلق على مرض معين، مثل السرطان أو أمراض القلب، ويستمر في التشكيك بغياب أي دليل طبي.
فهم نوع الاضطراب يساعد الطبيب في وضع خطة علاجية مناسبة.
طرق تشخيص الاضطراب الوهمي
التشخيص الدقيق للاضطراب الوهمي يتطلب إجراء مقابلة نفسية مفصلة تهدف إلى فهم طبيعة الأعراض، ومدة استمرارها، ومدى تأثيرها على حياة المريض. كما يشمل ذلك مراجعة التاريخ الطبي للمريض لاستبعاد وجود أمراض عضوية حقيقية قد تكون سببًا في ظهور هذه الأعراض. بالإضافة إلى ذلك، يجب إجراء الفحوصات الطبية اللازمة لإثبات سلامة المريض وعدم وجود مرض جسدي.
كما يتم تقييم الحالة النفسية للمريض لاستبعاد اضطرابات نفسية أخرى قد تتشابه أعراضها مع أعراض الاضطراب الوهمي. ويعتمد التشخيص أيضًا على استخدام معايير تشخيصية معتمدة مثل الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، الذي يحدد وجود قلق مفرط بشأن الصحة لمدة لا تقل عن ستة أشهر.
وأخيرًا، تتطلب الحالة متابعة مستمرة لرصد تطور الحالة واستجابة المريض للعلاج. التشخيص السليم يساهم في منع الخلط بين الاضطراب الوهمي والأمراض العضوية الحقيقية، ويساعد في تقديم العلاج النفسي الملائم.
طرق علاج الاضطراب الوهمي
العلاج الفعال للاضطراب الوهمي يحتاج إلى نهج متكامل يشمل:
- العلاج النفسي:
- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يهدف إلى تعديل الأفكار المغلوطة والمبالغ فيها حول المرض، وتعليم المريض مهارات التعامل مع القلق.
- العلاج النفسي الديناميكي: يساعد في معالجة الصراعات النفسية الداخلية التي قد تكون سببًا للقلق المرضي.
- العلاج الجماعي: يمكن أن يوفر الدعم والتفاعل مع مرضى يعانون من حالات مشابهة.
- العلاج الدوائي:
- مضادات الاكتئاب أو مضادات القلق قد تُستخدم في حالات القلق الشديد أو الاكتئاب المصاحب، تحت إشراف طبي دقيق.
- لا يُنصح باستخدام الأدوية بشكل عشوائي، ويجب تجنب الإفراط في الأدوية الطبية.
- التثقيف الصحي:
- توعية المريض بآلية عمل الاضطراب وأهمية تقليل الفحوصات الطبية غير الضرورية.
- تشجيع المريض على تبني نمط حياة صحي.
- دعم الأسرة:
- إشراك أفراد الأسرة في عملية العلاج لتعزيز بيئة داعمة تساعد في التعافي.
طرق الوقاية من الاضطراب الوهمي
يمكن تقليل فرص الإصابة بالاضطراب الوهمي من خلال عدة خطوات مهمة، منها تعزيز الصحة النفسية عبر ممارسة الرياضة المنتظمة واستخدام تقنيات الاسترخاء مثل التنفس العميق والتأمل. كما يساعد التعامل الفعّال مع الضغوط النفسية، سواء من خلال الدعم الاجتماعي أو العلاج النفسي عند الحاجة، في الوقاية من هذا الاضطراب.
من الضروري أيضًا توخي الحذر في التعامل مع المعلومات الطبية المتداولة، والاعتماد فقط على المصادر الطبية الموثوقة لتجنب القلق غير المبرر. بالإضافة إلى ذلك، يُنصح بتطوير مهارات التكيف مع القلق وتقبل عدم اليقين بشأن الصحة كجزء من الاستراتيجية الوقائية. وأخيرًا، يجب طلب المساعدة النفسية مبكرًا عند الشعور بقلق صحي مفرط أو ظهور أعراض مشابهة، مما يساهم في تقليل فرص تفاقم الاضطراب.
في الختام
الاضطراب الوهمي هو حالة نفسية تسبب للمريض قلقًا مستمرًا حول صحته، مع إيمان راسخ بوجود مرض خطير رغم عدم وجود دليل طبي. هذا الاضطراب يؤثر بشكل كبير على جودة الحياة ويزيد من معاناة المريض النفسية والجسدية.
التشخيص المبكر والعلاج النفسي المناسب، إلى جانب الدعم الأسري والتثقيف الصحي، يساهمان بشكل فعال في السيطرة على الأعراض وتحسين جودة حياة المرضى. من المهم أن يسعى من يعاني من هذه الحالة للحصول على الدعم الطبي والنفسي المتخصص، لتجنب تدهور الحالة وضمان حياة أكثر استقرارًا وراحة.
إذا لاحظت لديك أو لدى أحد من تحب مخاوف مستمرة بشأن صحتك أو تكرار الذهاب للطبيب دون وجود سبب عضوي واضح، لا تتردد في طلب المساعدة من مختص نفسي، فالدعم المبكر هو مفتاح الشفاء والتعافي.
المصادر:
Delusional Disorder – StatPearls – NCBI Bookshelf
Delusional Disorder – Mental Health Disorders – MSD Manual Consumer Version
Delusional Disorder: Causes, Symptoms, Types & Treatment
Delusional Disorder: Types, Symptoms, and Treatment
Delusional Disorder – Harvard Health
رجاء ضع تقييمك للمحتوى فهو يساعدنا لفهم جودة عملنا